الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

69

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وجعلها كاعمة له ، وجعل الماء ذا كظّة بامتلائه ، كما تعتري الكظّة المستكثر من الأكل ، ثم جعله هامدا بعد أن كانت له نزقات ، ولابدا بعد أن كانت له وثبات ، ثم جعل للأرض أكتافا وعرانين ، وأنوفا وخياشيم ، ثم نفى النوم عن وميض البرق ، وجعل الجنوب مارية درر السحاب ، ثم جعل للسّحاب صدرا وبوانا ، ثم جعل الأرض مبتهجة مسرورة مزدهاة ، وجعل لها ريطا من لباس الزهور ، وسموطا تحلّى بها . فيا للهّ وللعجب من قوم زعموا أن الكلام إنما يفضل بعضه بعضا لاشتماله على أمثال هذه الصنعة ، فإذا وجدوا في مائة ورقة كلمتين أو ثلاثا منها ، أقاموا القيامة ، ونفخوا في الصّور وملئوا الصحف بالاستحسان لذلك والاستظراف ، ثم يمرّون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على ألطف وجه ، وأرصع وجه ، وأرشق عبارة ، وأدقّ معنى ، وأحسن مقصد ، ثم يحملهم الهوى والعصبية على السكوت عن تفضيله إذا أجملوا وأحسنوا ، ولم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه . على أنه لا عجب ، فإنه كلام عليّ عليه السّلام ، وحظّ الكلام حظّ المتكلّم ، وأشبه امرأ بعض بزهّ ( 1 ) . قلت : ما قاله ابن أبي الحديد ليس يحسن على إطلاقه ، فإنّ أمير المؤمنين عليه السّلام هو عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ ( 2 ) ، فإذا كان أعداؤه كذلك فإنّ أولياءه يعترفون بالعجز عن وصف محاسنه ، وأنّ كلامه تالي القرآن الّذي قال جل وعلا فيه : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بمِثِلْهِِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 3 ) . ولا يحطّ

--> ( 1 ) أورده الزمخشري في المستقصى 1 : 187 ثم قال يضرب في مماثلة الشيء صاحبه . ( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 159 شرح الخطبة ( 89 ) وقد جاء في الأخبار أنّ عليّا عليه السّلام هو النبأ العظيم ، أخرجه عليّ بن إبراهيم في تفسيره 2 : 401 ، والفرات الكوفي في تفسيره : 202 والحسكاني في شواهد التنزيل 2 : 317 ، 318 بطرق متعدّدة : وذلك في تفسير قوله تعالى : . . . عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ . الَّذِي هُمْ فيِهِ مُخْتَلِفُونَ النبأ : 2 - 3 . ( 3 ) الاسراء : 88 .